على أبواب المستقبل عشرون قرنا من المقاومة خمسون سنة من الاستقلال

كان البحر الأبيض المتوسط طيلة القرون الخمسة الأولى من التاريخ الميلادي منطقة نفوذ وهيمنة الإمبراطورية الرومانية بصورة تكاد تكون شاملة لكافة مناحي الحياةالسياسية والثقافية واللغوية والاقتصادية. لقد فرض الرومان تنظيماتهم ومؤسساتهم كنموذج فريد على كافة الشعوب الخاضعة لسيطرتهم.

سوف نناقش في هذا الكتاب موازين القوة بين الدول المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط خلال القرون التي سبقت فترة التنافس الاستعماري واقتسام العالم في العصر الحديث، وسنتطرق أيضا لتبيان أكبر الرهانات الحربية التي حوَّلت البحر الأبيض المتوسط من بحيرة سلام إلى بحيرة صراعات دموية.

كثيرا ما تم اللجوء إلى استعمال السلاح لتسوية النزاعات بين الدول مما أضفى على البحر الأبيض المتوسط رائحة الدم، ففي أزمنة السلم ينجلي للناظر جمال هذا البحر من خلال صفاء مياهه وزرقتها البديعة، وحين تندلع الحروب يصطبغ سطحُه بلون الدم فتنبعث منه رائحة الموت الزؤام. هذا التناقض يعكس طبيعة علاقاتنا المتقلبة بين التفاهم والوفاق أحيانا والاقتتال لأغراض دنيئة أحيانا أخرى، ولحسن الحظ أن الخلافات عادة ما يتم حسمها بالاحتكام إلى التعقل مما يحفظ هذا البحر من التردي ومن العقم الثقافي ويقيه مغبة الصدام بين الحضارات، الأمر الذي لا ينجم عنه سوى الخراب والدمار.

في سنة 395 م، انهارت الإمبراطورية الرومانية الغربية بعد أن سادت لعدة قرون بفضل تفوقها العسكري، ثم تبعتها إمبراطورية الروم الشرقيين (البيزنطيين) وأسدل الستار على ملحمتها العريقة التي تميزت بازدهار حضاري مرموق. ثم حلت محلها قوى جديدة كانت الغلبة فيها، هذه المرة، للدول الإسلامية التي بسطت سيادتها لعدة قرون أيضا قبل أن تضمحل بدورها ثم تسقط في دوامة الأحداث التي غيرت أوضاع العالم.

وبحلول القرن الثالث عشر الميلادي، رجحت كفة التوازن الجيوسياسي إلى جانب القوى الغربية تحت راية الحروب الصليبية بزعامة الكنيسة الكاثوليكية، ثم تلتها حركة الاسترداد التي مكنت شبه الجزيرة الأيبيرية من التحرر من السيطرة الإسلامية.

ويعود اختلال توازن القوى هذا، إلى تفكك أوصال الدولة الموحدية إثر انقسامها إلى عدة إمارات صغيرة مستقلة عن بعضها البعض. وللتذكير فإن الموحدين والمرابطين قد بسطوا سيطرتهم على البحر الأبيض المتوسط من القرن الحادي عشر إلى الثالث عشر الميلاديين. ثم ظهرت في مستهل القرن الرابع عشر إمبراطورية جديدة وضعت حدا للنوايا التوسعية الأوروبية في البحر الأبيض المتوسط: إنها الإمبراطورية العثمانية التي فرضت سيطرتها بواسطة قراصنتها الذين طبقت شهرتهم الآفاق، ومن أشهرهم الإخوة بربروس.

إن دراسة وتحليل تاريخ الجزائر عبر كافة مراحله، يبين أن عملية بناء الدولة الجزائرية استغرقت عدة قرون ولم تكتمل سيرورتها بعد.

Soyez le premier à commenter

Poster un Commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*